السيد كمال الحيدري

48

الإنسان بين الجبر والتفويض

أرادوا من خلالها تخفيف جبريّتهم ، بينما ذهب الفريق الثاني إلى أنّ هذه الأفعال هي فعل الإنسان مباشرة وعلى نحو الاستقلال . وهذه هي نظرية التفويض التي اختارها المعتزلة في مقابل الجبر الأشعري . ثمّ توسّطت بين النظريتين ثالثة أنكرت الجبر والتفويض معاً وقالت فيما بينهما . وهذه هي نظرية الأمر بين الأمرين التي يتبنّاها الشيعة الإمامية ويدافعون عنها تبعاً لأئمّتهم عليهم السلام ، ويعدّونها هي المنسجمة مع توحيد الخالقية دون النظريتين السابقتين . على هذا الأساس نحن فعلًا بإزاء ثلاثة اتّجاهات متميّزة بالمعنى المنهجي لمصطلح الاتّجاه ، الذي يعني غلبة مجموعة الأفكار والآراء والنظرات التي تشيع في عمل فكريّ بصورة أوضح من غيرها ، وتكون مركّبة في إطار نسيج نظريّ وفكريّ عامّ يميّزها عمّا سواها . على هذا سنلحظ في التفصيل : أنّ الموقف الثالث الذي تتبنّاه الشيعة الإماميّة من خلال نظرية الأمر بين الأمرين ، ليس تلفيقاً ساذجاً بين النظريتين الأشعرية والاعتزالية ، وإنّما نظرية مستقلّة لها أصولها ومرتكزاتها التي تقف عليها ، وبناؤها العلويّ الذي يميّزها عن غيرها .